أحمد زكي صفوت
248
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
عدونا بها ، ولكنا نتبرأ من الحول والقوّة ، ونتوكل على اللّه عزّ وجلّ ، ونثق بربنا ، فكم من فئة قليلة قد أعزّها اللّه ونصرها وأغناها ، وغلبت فئة كثيرة بإذن اللّه ، وكم من فئة كثيرة قد أذلّها اللّه وأهانها ، قال تبارك وتعالى : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . وأما قولكم « كيف تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا » فأنا أخبركم عن ذلك : نحن نؤمن بنبيّكم ونشهد أنه عبد من عبيد اللّه ، وأنه رسول من رسل اللّه ، وأنّ مثله عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، ولا نقول إنه اللّه ، ولا نقول إنه ثاني اثنين ، ولا ثالث ثلاثة ، ولا إنّ للّه والدا ولا إنّ له صاحبة ولا ولدا ، ولا إنّ معه آلهة أخرى ، لا إله إلّا هو ، تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا ، وأنتم تقولون في عيسى قولا عظيما ، فلو أنكم قلتم في عيسى كما نقول ، وآمنتم بنبوّة نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم كما تجدونه في كتابكم ، وكما نؤمن نحن بنبيّكم ، وأقررتم بما جاء به من عند اللّه ، ووحّدتم اللّه ، ما قاتلناكم ، بل كنا نسالمكم ونواليكم ونقاتل معكم عدوّكم » . فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا له : ما نرى بيننا وبينك إلّا متباعدا ، وقد بقيت خصلة نحن نعرضها عليكم ، فإن قبلتموها منّا فهو خير لكم ، وإن أبيتم فهو شرّ لكم . نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الاردنّ ، وتنحوا عن بقيّة أرضنا وعن مدائننا ، ونكتب عليكم كتابا نسمى فيه خياركم وصلحاءكم ، ونأخذ عهودكم ومواثيقكم على ألّا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه ، وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم ، ونحن معكم نعينكم عليهم حتى تقتلوهم وتظهروا عليهم . فقال معاذ : هذا الذي عرضتم علينا وتعطوناه كلّه في أيدينا ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه ، ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم ما فعلنا » .